محمد متولي الشعراوي
1463
تفسير الشعراوى
والقلم يطلق على القلم الذي نكتب به ، أو يطلق القلم على القداح التي كانوا يقترعون بها إذا اختلفوا على شئ . وكانوا عندما يختلفون يحضرون قداحا ، ليغفروا من يظفر بالشئ المختلف عليه ونسميها نحن القرعة ، والقرعة يقومون بإجرائها لإخراج الهوى من قسمة شائعة بين أفراد ، وذلك حتى لا يميل الهوى إلى هذا أو إلى ذاك مفضلا له على الآخرين ، ولذلك فنحن أيضا نجرى القرعة فنضع لكل واحد ورقة . إذن فلا هوى لأحد في إجراء قسمة عن طريق القرعة ، وبذلك نكون قد تركنا المسألة إلى قدر اللّه لأن الورقة لا هوى لها ، ولما اختلف قوم مريم على كفالتها ، واختصموا حول من الذي له الحق في أن يكفلها . هنا أرادوا أن يعزلوا الهوى عن هذه المسألة ، وأرادوا أن تكون قدرية ، ويكون القول فيها عن طريق قدح لا هوى له . وهذا القدح سيجرى على وفق المقادير . أما « أقلامهم » فقد تكون هي القداح التي يقتسمون بها القرعة ، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة تبركا . وتساءل البعض ، ما المقصود بقول الحق : « إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ » وأين تم إلقاء هذه الأقلام ؟ قيل : إنها ألقيت في البحر وإذا ألقيت الأقلام في البحر فمن الذي يتميز في ذلك ؟ قيل : إنه إذا ما أطل قلم بسنه إلى أعلى فصاحبه الفائز ، أو إذا غرقت كل الأقلام وطفا قلم واحد يكون صاحبه هو الفائز . ولا بد أنهم اتفقوا على علامة أو سمة ما تميز القلم الذي كان لصاحبه فضل كفالة مريم . « وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » . وكلمة « إِذْ يَخْتَصِمُونَ » تدل على حرارة المنافسة بين القوم شوقا إلى كفالة مريم ، لدرجة أن أمر كفالتها دخل في خصومة ، وحتى تنتهى الخصومة لجئوا إلى الاقتراع بالأقلام . وننتقل الآن إلى مرحلة أخرى .